كل ما يجب أن تعرفه عن استراتيجية التعلم بالاستقصاء

بداية لابد من التذكير بأن المقاربات التربوية تعددت واختلفت في تصنيف أو تسمية شكل استراتيجية التعلم بالاستقصاء، بين من يعتبرها طريقة من طرق التدريس أو أسلوبا من أساليب التدريس أو نمطا من أنماط التدريس، ومن يعتبرها استراتيجية من استراتيجيات التعلم النشط، ومن يجعلها نموذجا من نماذج التعلم. وسنعتمد في مقاربتنا باعتبارها استراتيجية تعليمية تندرج ضمنها مجموعة من استراتيجيات التعلم النشط والتعلم التعاوني.

استراتيجية التعلم بالاستقصاء من استراتيجيات التعلم الفعالة فى تنمية عمليات العلم، والتفكير العلمي، ومهارات التفكير العليا الإبداعي والناقد. ذلك أن هذه الاستراتيجية تعتمد على إيجابية المتعلم ونشاطه فى أداء عمليات البحث العلمي، الذى يساعده على الفهم العميق واستخراج نتائج الظواهر والمشكلات التي يقوم بدراستها. كما تساعده على عمل الملاحظات، والجمع، والتحليل، والتركيب للمعلومات، ورسم النتائج واستخدامها، وذلك فى المواقف الحياتية التى سيواجهها المتعلم فى المستقبل.

تعد استراتيجية التعلم بالاستقصاء من أكثر طرق واستراتيجيات التدريس فاعلية في تنمية مهارات التفكير لدى المتعلمين، وذلك لأنها تتيح فرصا للمتعلم لممارسة “عمليات العلم” التي تتضمنها الطريقة العلمية في البحث والتفكير، أو ما يسمى بالمنهجية العلمية في البحث والتفكير، فمن خلالها يسلك المتعلم سلوك العلماء في البحث عن المعرفة والتوصل إلى النتائج، فهو يحدد المشكلة، ويصوغ الفرضيات، ويجمع المعلومات ذات العلاقة بالمشكلة، ويختبر صحة فرضياته، ويصل إلى الحل المناسب للمشكلة.

تقوم استراتيجية التعلم بالاستقصاء على الاكتشاف، حيث أن الطلاب في تعلمهم يستخدمون قدرات الاكتشاف، ويستخدم العديد من المختصين في التدريس الاستقصاء والاكتشاف بمعنى واحد، ويرى بعض المربين أن الاكتشاف مصطلح مرادف إلى حد كبير للاستقصاء، فعندما توسع (برونر Bruner ) في بحث قواعد الاستكشاف عَرَّفها بأنها عملية استقصاء.

إذن يبدو من الأدب التربوي بوجه عام أن الاستقصاء والاكتشاف توأمان ووجهان لعملة واحدة، إلا أن التمييز بينهما يفرض نفسه على المدرسين، ذلك أن الاكتشاف يحدث عندما يمارس المتعلم عمليات العلم لاكتشاف بعض المفاهيم أو المبادئ، أما الاستقصاء فيحتاج المتعلم فيه إلى ممارسة عمليات عقلية متقدمة إضافة الى الممارسة العملية. وعدم التمييز الدقيق بين الاكتشاف والاستقصاء قد يجعل المعلمين يركزون على عمليات الاكتشاف العقلية، ويهملون عمليات الاستقصاء العملية والعقلية الأكثر تعقيداً.

تعريف الاستقصاء

من أبسط التعاريف التي قاربت مفهوم الاستقصاء، نجد هذا التعريف: أسلوب تعلم يفرض على المتعلم أن يدرك المشكلة، ويضع حول هذه المشكلة أسئلة تدفعه للبحث عن أجوبة لها، ليدرك أن هذه الأجوبة هي الحلول النهائية لهذه المشكلة، لتصبح هذه الأجوبة نقطة الانطلاق لمباشرة أبحاث جديدة.

ويمكن تعريف الاستقصاء بأنه طريقة تعليمية منطقية تهدف إلى إحداث التعلم الذاتي، وتعمل على تطوير قدرات التفكير العلمي لدى المتعلم من خلال إعادة المعرفة وتنظيمها وتوليد الأفكار والاستنتاج وتطبيقها على مواقف حقيقية.

هو إذن أسلوب في التعلم يمكن أن يصف أي موقف تعليمي يمر فيه المتعلم ويكون فيه فاعلا نشطا، ويتمكن من إجراء بعض العمليات التي تقوده للوصول إلى مفهوم أو تعمیم أو علاقة أو حل مطلوب. أو هو أسلوب تعليمي مبني على الاستكشاف، حيث يستخدم فيه المتعلم مزيجاً من العمليات العقلية والعمليات العملية.

كما يمكن تعريف مفهوم الاستقصاء بأنه عملية التحري أو عملية اندماج الطلاب مع المشكلة الحقيقية للبحث، بمواجهتهم بمجال من مجالات البحث، ودعوتهم لتصميم طرق للتغلب على المشكلة. أو هو الجهد الذي يبذله الطالب في سبيل الحصول على حل لمشكلة، أو موقف غامض، أو الإجابة عن سؤال.

وحسب ريتشارد سوشمان Suchman مصمم نموذج التدريب بالاستقصاء والمستخدم على نطاق واسع في الولايات المتحدة الأمريكية، فإن الاستقصاء هو ” الطريقة التي يتعلم بها الناس عندما يتركون لوحدهم “.

إن جوهر التعلم بالاستقصاء يكمن في قدرة المعلم على بناء وضعيات تعليمية مُشْكِـلَة، وتحويل مضمون المنهج الدراسي إلى مشكلات تستثير اهتمام الطلاب ورغبتهم الطبيعية في البحث وتقصي الحقائق. ويعد التعلم الاستقصائي من الطرق التدريسية المهمة والفاعلة في تدريس مختلف المواد وخاصة العلوم، لما تحققه من فاعلية في زيادة نواتج التعلم، كما أنه يعزز استراتيجيات البحث العلمي من ملاحظة، وجمع معلومات، ومهارات خاصة بالاطلاع، والقراءة المركزة، وتنظيم المعلومات، وتحديد المتغيرات وضبطها، وصياغة الفروض ثم اختبارها، وتفسير النتائج وتعليلها، ووضع النظريات.

كما يعزز التعلم بالاستقصاء القيم والاتجاهات الخاصة بالتفكير العلمي الإبداعي، ويمكن أن يستخدم مع جميع الفئات العمرية في جميع مراحل التعلم حسب طبيعة المشكلة وخصائص الطلاب في كل مرحلة.

إن الاستقصاء من أساليب التدريس الحديثة التي تضع المتعلم في موقف المكتشف لا المنفذ، تتيح له الفرصة للتفكير المستقل والحصول على المعرفة بنفسه، فيجمع البيانات ويضع التفسيرات. هو أسلوب يهتم بتدريب المتعلم على أساليب البحث العلمي، كون الهدف الرئيسي للتربية العلمية هو تنمية قدرة المتعلمين على التفكير وتنمية حب الاستطلاع.

أهمية التعلم بالاستقصاء

يضمن التعلم بالاستقصاء فرصاً عديدة للمتعلم ليمارس قدراته التفكيرية، كتصميم التجارب، والبحث عن الحلول، وضبط المتغيرات، وابتكار طرق للقياس، وجمع وعرض البيانات، تمهيدا لبناء معنىً، اعتماداً على تحليله للبيانات التي يتحصل عليها، كما أن التعلم بالاستقصاء يهيئ بيئة قائمة على الاستقلالية في الحصول على المعرفة.

وتبرز أهمية استراتيجية التعلم القائم على الاستقصاء في النقط التالية :

  1. ينمي قدرة الطلاب على البحث والعمل من أجل الوصول إلى المعرفة، فالمتعلم إيجابي الدور، أما دور المدرس فيبقى محصوراً في توفير وتنظيم الإمكانيات والظروف التي تساعد المتعلم على الوصول إلى المعرفة.
  2. يرفع من مستوى دافعية المتعلم، بما توفره استراتيجيات الاستقصاء من تشويق ومتعة وإثارة، يشعر بها الطالب أثناء اكتشاف المعلومة بنفسه.
  3. يشجع التفكير الناقد، ويعمل على المستويات العقلية العليا.
  4. يجعل الطالب المستقصي يكتسب مهارات التفكير العلمي في حل المشكلات التي تواجهه.
  5. يساعد الطالب على كشف الحقائق والمعلومات بنفسه، ويزوده بمهارات التفاعل والاتصال الاجتماعي، من خلال جمع الأدلة، وتبادل الآراء والأفكار مع المجموعة، والوصول إلى المعرفة.
  6. يعزز انتقال أثر التعلم أو التدريب، وينمي القدرة على تحسس المشكلات وإذكاء الفضول المعرفي وابتكار الحلول.

وباختصار … من مميزات التعلم بالاستقصاء ما يلي :

  • يؤكد على إيجابية المتعلم.
  • يشجع التعلم النشط.
  • يعتمد على التجريب.
  • يحفز التعلم المستمر.
  • يؤكد على العمليات والمهارات العقلية.
  • يساعد على استقلالية المتعلم.
  • ينمي قدرات التفكير العليا.

تاريخ التعلم بالاستقصاء

مع أن الطريقة الاستقصائية عُرِفت في العصر الحديث في مقابل الطريقة الإلقائية، إلا أن جذورها تعود في قدمها إلى (سقراط) الذي كان لديه اهتمام بإعداد المواطن اليوناني، فالتعلم عنده “عملية يقوم فيها الطالب بحل المشكلات وتفحص ماكان يعرفه مسبقا”. ومن الذين اهتموا بالإتجاه الاستقصائي أيضا ( أرسطو ) باستعماله تكتيكات ومبادىء البرهان المنطقي…وكذلك ( بیتر آبلارد) في القرون الوسطى الذي وضع ست خطوات لحل المشكلات هي : تحديد المشكلة وتحديد وعرض المتناقضات ، وتكوین أحکام ومعان حقيقية جديدة ومراجعة المادة – ليعرف ما اذا كان هناك تغيرات في الفقرات – والبحث عن الحقائق التي تدعم الرأي المعتمد، والوصول إلى النتيجة. وفي القرن السادس عشر نجد ( فرانسيس با کون ) الذي وصف نوعين من المنطق الاستقرائي سمي الأول العد البسيط، والثاني المنطق العلمي والذي يشتمل على ثلاث عمليات : جمع المعلومات، وإبعاد المعلومات التي ليس لها صلة بالموضوع، واستعراض المعلومات التي لها صلة بالموضوع. وعن طريق هذه الخطوات يصل المستقصي الى مقولة للمشكلة، والذي يبدو أنها مساوية للمفهوم الإفتراضي الحديث .

أما في العصر الحديث فإن أفكار (جون دیوي) و ( هارولد رغ) و ( ولیم کیلباترك ) التي ظهرت خلال سنوات 1920 و 1930 كانت من مصادر الاهتمام بالاستقصاء حيث اعتبر هؤلاء المربون أن عمل التربية الأول هو مواجهة مشكلات المجتمع، وبالتالي فإن الطريقة التي اختارتها هذه المدرسة هي طريقة حل المشكلات ( Problem Solving) ، أو الطريقة الاستقصائية.

أما ( كارل روجرز ) و (جيروم برونر) فقد ركزا على العناصر التي تؤثر في التفكير والتعلم مثل : جو الفصل الدراسي، وعلاقة المدرس بالطالب، و أسلوب التقويم و أهمية المتابعة في التعلم والتدريس. فالغاية من التعلم عند (برونر) لا تكمن في اكتساب الحقائق والمعلومات في حد ذاتها، وإنما في القدرة على استخدامها، لذا وجب الانتقال من الاكتساب إلى التفكير، وأن الاكتشاف هو السبيل الأمثل لتحقيق مثل هذا الانتقال، فالاكتشاف يزيد من إمكانية انتقال التعلم Transfer of learning ويعزز الاحتفاظ Retention ويستثير الدافعية الذاتية ويزود المتعلم بالقدرة على البحث والإستقصاء.

مراحل أو خطوات استراتيجية التعلم بالاستقصاء

من خلال مراجعة الدراسات السابقة حول التعلم بالاستقصاء، يتبين وجود عدة خطوات متباينة لدى الباحثين التربويين، و تختلف تصنيفات هذه الخطوات باختلاف مدارس وفلسفة أصحابها. وفيما يلي نذكر بعضا من هذه التصنيفات:

تصنيف سوشمان Suchman :

  1. تقديم المشكلة المراد دراستها
  2. جمع المعلومات
  3. التحقق من المعلومات
  4. تنظيم المعلومات وتفسيرها
  5. تحليل عملية الاستقصاء وتقويمها

تصنيف أبو حلو والقاعود :

  1. الشعور بالمشكلة
  2. تحديد المشكلة
  3. وضع الفرضيات
  4. اختبار الفرضيات
  5. الوصول إلى قرار
  6. تطبيق القرار على بيانات جديدة

تصنيف الخزرجي والسليتي :

  1. تحديد المشكلة أو الموقف
  2. جمع المعلومات وفرض الفروض
  3. التأكد من صحة المعلومات والفرضيات المقترحة بالتجريب
  4. تطبيق النتائج (التفسير)

والملاحظ أن الباحثين يتفقون إلى حد كبير على أهم المراحل التي يمر منها الاستقصاء، وإن اختلفوا في عددها فإن ذلك من باب التفصيل ليس إلا. ومهما تعددت واختلفت المراحل أو تسمياتها من باحث لآخر، فإنها في حقيقة الأمر لا تخرج عن الهدف الأساس، الذي هو تحويل المتعلم من دور مستقبل إلى متفاعل في عملية التعلم، متتبعا بذلك خطوات تبدأ بتحديد المشكلة بدقة ووضوح، لكي يتولد عنده شعور بالحيرة، ليبدأ بالتفكير لحل هذه المشكلة التي تواجهه عن طريق جمع المعلومات من مصادر متعددة، تحت إشراف وتوجيه المعلم، ومن ثم تطبيق هذه المعلومات في مواقف جديدة وتعميم النتائج .

وتوجد نماذج كثيرة للتعلم بالاستقصاء، تذكر مجموعة من المراحل التي يمر منها النشاط الاستقصائي أثناء عملية التعلم، وتختلف هذه النماذج باختلاف عدد ومسميات مراحلها كذلك.

نماذج التعلم بالاستقصاء

ذكر الباحثون أساليب ونماذج عديدة للتعلم بالاستقصاء، و نذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر:

نموذج الاستقصاء لسوشمان Model Inquiry Suchman

يتضمن نموذج سوشمان الاستقصائي المراحل التالية:

  1. مرحلة التخطيط لنشاط الاستقصاء: وتتضمن تحديد الأهداف، و المشكلة، واختيار الوسيلة التى يتم بها عرض المشكلة.
  2. مرحلة تنفيذ نشاط الاستقصاء: وتتضمن عرض المشكلة، وفرض الفرضيات، وجمع البيانات، و تفسير الظاهرة.
  3. مرحلة تقويم نشاط الاستقصاء: وتتضمن تقويم المحتوى، وتقويم العملية.

نموذج الاستقصاء لريغلوث Model Inquiry Reigeluth

ويعتبر نموذج ريغلوث الاستقصائي من نماذج التدريس القائمة على النظرية البنائية، ويركز على اعتبار الطالب محور العملية التعليمية ويقوم المتعلم بالدور الأساس فى عملية التعلم. ويقوم هذا النموذج على أربعة خطوات رئيسية هي:

  1. مرحلة الدعوة: وفى هذه المرحلة يتم دعوة الطالب إلى التعلم وتتم الدعوة من خلال عرض بعض الأحداث المتناقضة، أو صور تعرض لبعض المشكلات أو الأمور المحيرة المقترحة للدراسة، أو بعض الخبرات التى يمر بها الطالب، أو طرح بعض الأسئلة، ويعتمد المعلم فى هذه المرحلة على المعلومات السابقة لدى المتعلم. وفى نهاية المرحلة يجب أن يركز الطلاب على مشكلة واحدة أو أكثر ويجب أن يشعروا بالرغبة فى البحث للوصول لحل هذه المشكلة.
  2. مرحلة الاستكشاف والابتكار: وهي مرحلة التحدي لقدرات المتعلمين في البحث عن إجابات لأسئلتهم التى تولدت من خلال الملاحظة والقياس والتجريب، ويقارن الطلاب أفكارهم ويختبرونها لتجميع ما يحتاجونه من معلومات وبيانات.
  3. مرحلة اقتراح التفسيرات والحلول: يقدم الطلاب اقتراحاتهم للتفسيرات والحلول، عبر مرورهم بخبرات جديدة وإجراء التجارب الجديدة. وفى هذه المرحلة يتم تعديل التصورات الخاطئة، أو إحلال المفاهيم السليمة محل الخاطئة.
  4. مرحلة اتخاذ القرار: إيجاد تطبيقات مناسبة لما توصلوا إليه من حلول أو استنتاجات، وتنفيذ ما توصلوا إليه تنفيذاً عملياً، وتجربته لإثبات صحته.

أهمية الأسئلة في استراتيجية التعلم بالاستقصاء

يعتبر السؤال الأداة العملية التربوية التي يقوم عليها الاستقصاء، و يمكن عن طريق السؤال فحص القضايا التي تواجه الطالب فحصا دقيقا عميقا. وتختلف الأسئلة في الأسلوب الاستقصائي عما يطرحه المدرس عادة في الأسلوب الإلقائي الذي يركز على فهم المادة الدراسية. ففي الأسلوب الاستقصائي تهدف الأسئلة إلى التركيز على عملية التعلم بدلا من المحتوى، والبحث عن حلول للفرضيات المطروحة ومرور المتعلمين بعملية تعلم فعلية يكون لهم دور إيجابي فيها. تبدأ هذه العملية بتجميع المعلومات من مصادرها المختلفة عن الظاهرة المراد دراستها. ثم يحدد الهدف المقصود من الدراسة، والذي يعني القيام بعمليات فكرية جادة تثار فيها الأسئلة التي تتناول الظاهرة بالفحص والتحليل، تحت إشراف المدرس وتوجيهاته. بعد ذلك يدخل الجميع مرحلة فحص الافتراضات و النتائج التي تم التوصل إليها، وفصل المعلومات المناسبة عن غيرها وبلورة النتائج في شكل مصطلحات وتعميمات. وكل ذلك يتطلب إتقان أداة البحث وهي الأسئلة الجيدة.

خطوات التدريس باستراتيجية الاستقصاء

إن من أهم خصائص التدريس باستراتيجية الاستقصاء أنها تسير بخطوات متتابعة، هي: تحديد المشكلة، صياغة الفرضية، اختبار الفرضية.

ويرى فريدريك أن مراحل التدريس بطريقة الاستقصاء هي أربع، وتتم وفق الخطوات التالية:

  1. مواجهة موقف محير.
  2. جمع البيانات والمعلومات.
  3. إعادة تنظيم المعلومات.
  4. تحليل الاستقصاء وتقويمه.

وذكر بانكس Banks خطوات الاستقصاء على النحو التالي:

  1. تحديد المشكلة.
  2. صياغة الفرضيات.
  3. تعريف المصطلحات.
  4. جمع المعلومات.

ومن خلال ما سبق وبناء على ما تم التوصل إليه من خلال التطبيق الفعلي لاستراتيجية الاستقصاء في التدريس، فإن خطوات التدريس باستراتيجية الاستقصـاء تنحصر في أربع خطـوات رئيسـية، هـي: التخطيط، والإجراءات، والمناقشة، والخلاصة. وأن هذه الخطوات الرئيسية اللازمة في التدريس باستراتيجية الاستقصاء، تـتم مـن خلال المراحل التالية:

أولا: التخطيط

ويتم تنفيذها عبر المراحل التالية:

  1. تحديد المشكلة بشكل واضح ودقيق.
  2. تحديد أسئلة الدراسة (أهداف الدراسة).
  3. تحديد مصادر الدراسة (الأساليب، والوسائل والتقنيات) المستخدمة في الدراسة.

ثانيا: الإجراءات

والهدف منها جمع المعلومات والبيانات من خلال ما يلي:

  • الكتب والدوريات والصحف والموسوعات.
  • الدراسات والبحوث السابقة ذات العلاقة بالموضوع.
  • إعداد الاستبانات أو الاختبارات المقننة.
  • إجراء المقابلات مع أصحاب العلاقة بالموضوع.
  • التقاط الصور الفوتوغرافية لمجالات الموضوع.
  • رسم الخرائط أو إعداد المجسمات.
  • مراجعة وضبط القوانين والأنظمة والتعليمات.

ثالثا: المناقشة

وتتم المناقشة من خلال ما يلي:

  • تصنيف المعلومات والبيانات التي تم جمعها وفق أسئلة الدراسة.
  • عرض المعلومات والبيانات بطريقة منطقية وصوغها بأسلوب الباحث الخاص والمميز به.
  • إجراء المقارنات بين الآراء التي تم جمعها من حيث الموافقة والاختلاف.
  • مناقشة البيانات والمعلومات في ضوء إجابة أسئلة الدراسة. عارضا الصور والخرائط والرسومات والجداول.

رابعا: الخلاصة

وتتمثل الخلاصة فيما يلي:

  • استخلاص أهم الاستنتاجات من خلال عرض المعلومات والبيانات.
  • تدعيم الاستنتاجات بالأدلة والقرائن الصحيحة.
  • تقديم التوصيات والاقتراحات الفاعلة ذات العلاقة بحل المشكلة موضوع البحث والدراسة.

أنواع التعلم بالاستقصاء

يذكر خبراء التربية والتعليم عدة أنواع من الاستقصاء، لكن المعروف عند أغلب التربويين هو ثلاثة أنواع من الاستقصاء :

1. الاستقصاء الحر

يتضمن اختيار الطالب الطريقة والأسئلة والمواد والأدوات اللازمة للوصول إلى حل المشكلة، لفهم الأحداث والاشياء أو الظواهر من حوله. ولا يكون الهدف منه الحصول على المعرفة المباشرة عن موضوع معين، ولكنه يهتم باكتشاف نواحي القصور في تلك المعرفة وما تستند إليه من مبادئ.

وهذا النوع من الاستقصاء يتطلب أن يكون الطالب قادرا على استخدام عمليات عقلية متقدمة، تمكنه من وضع الاستراتيجية المناسبة للوصول إلى المعرفة، فهو بذلك يقترب كثيرا من سلوك العالم الحقيقي، ويكون قادراً على تنظيم المعلومات وتصنيفها، وملاحظة العلاقات المتشابكة بينها، واختيار ما يناسبه منها وتقويمها.

ويوضح الشكل أسفله نموذج الاستقصاء الحر ومراحله:

مراحل الاستقصاء الحر

2. الاستقصاء الموجه

تحدث عمليات التقصي تحت إشراف من المعلم وإرشاداته، أو ضمن خطة بحثية أعدت مقدما، ومن ثم يكون هذا النوع أكثر مناسبة من الناحية التطبيقية أثناء عمليتي التدريس والتعلم، علاوة على أنه يتطلب قدرات عقلية وعمليات معرفيه أقل من نظيره الاستقصاء الحر، وبالتالي يكون من الأفضل استخدامه مع الطلاب في المراحل الأولى من التعليم.
وتتحدد الخطوات والإجراءات التي يسير عليها الاستقصاء الموجه من خلال عدد من النماذج يمكن عرض أحدها في الشكل أدناه كالتالي:

مراحل الاستقصاء الموجه

وللإشارة فإن الاستقصاء الموجه يتعامل مع الحقائق على أنها حقائق غير قابلة للفحص أو الاختبار، ويهتم بالنتائج مباشرة لسد فجوة معرفية معينة. وقد يتطلب الاستقصاء الموجه البحث والتعرف على العلاقة بين مفهومين، ويكون المعلم مصدرا ومرجعا لإعطاء مساعدات كافية لتجنب الخبرات الفاشلة، على أن تكون مساعداته في صورة أسئلة توجه الطلاب نحو الطرق البحثية الممكنة.

3. الاستقصاء العادل

يقوم نموذج الاستقصاء العادل على كون المجتمع يتكون من أفراد مختلفين من حيث وجهات النظر والاهتمامات، وفي هذا المجتمع يحدث تعارض بين القيم الاجتماعية التي يوجد حولها جدل، وهذا الجدل يحتاج إلى طريقة تمكن هؤلاء الأفراد من التفاهم، بتوضيح الاختلافات وتحليل القضايا بذكاء، وأن يتخذوا منها موقفا عقلانيا يتسم بالعدل والشرف. ويتطلب تنفيذ هذا النموذج العديد من مهارات التدريس مثل: مهارات إدارة التعلم التعاوني، ومهارات المناقشة ذات المستويات العليا، ومهارة ممارسة وقت الانتظار، ومهارات تنظيم وإدارة حجرة الصف، بالإضافة إلى أنه يجب أن يكون لدى المعلم حصيلة جيدة من المحتوى المعرفي.
ويتم الاستقصاء العادل من خلال عدد من المراحل يعرضها الشكل التالي :

مراحل الاستقصاء العادل
شروط نجاح استراتيجية التعلم بالاستقصاء

  • تمكن المدرس من إدارة الصف وفقا لاستراتيجية التعلم بالاستقصاء التي تبدأ بإثارة المشكلة، ثم البحث عن الحلول أو الفرضيات المناسبة واختبارها، والوصول إلى حلول يمكن الوثوق بها والاطمئنان لها في جو من المشاركة الفعلية من جانب الطلاب.
  • إعداد المواد والأدوات و الأجهزة اللازمة لهذه الاستراتيجية من قبل المدرس مسبقا.
  • وجود مشكلة عملية يسعى الطلاب إلى حلها.
  • ترك حرية اختيار المشكلة للطلاب في ( الاستقصاء الحر) وإثارة مشكلة حقيقية قد تم التخطيط لها في ( الاستقصاء الموجه ) من جانب المدرس.
  • البعد عن الإلقاء إلا في أضيق الحدود، والإكثار من استخدام الأسئلة التفكيرية التي يمكن إجابتها بإجابات عدة.
  • استعداد الطلاب للدراسة ورغبتهم فيها.

فوائد استراتيجية التعلم بالاستقصاء

  • تزيد هذه الاستراتيجية من القدرة العقلية الإجمالية للمتعلم، فيصبح قادرا على النقد، والتوقع، والتصنيف، ورؤية العلاقات، والتمييز بین المعلومات ذات الصلة والمعلومات أو المعطيات التي لا تمت بصلة للموقف التعليمي، وبشكل عام تساعد الطلاب على حل المشكلات.
  • تكسب الطلاب القدرة على استعمال أساليب البحث و الاكتشاف وحل المسائل وبالتالي تؤثر تأثيرا إيجابيا على مجالات أخرى في حياتهم مثل الثقة بالنفس، وتحمل الفشل، وتحمل المسؤولية، والتفاهم الاجتماعي، وذلك من خلال التدريب الذي يحصل عليه المتعلم في مروره بخبرات الاستقصاء.
  • التعليم بهذه الاستراتيجية يؤكد على الدوافع الداخلية، أكثر من تأكيده على الدوافع الخارجية، وذلك باستخدام الإشباع والثواب الملازم لعملية الاستقصاء.
  • تزيد هذه الاستراتيجية من قدرة الطلاب على تذكر المعلومات وإبقاء التعلم ودوامه لفترة طويلة، فالأشياء التي يستدل عليها المتعلم بنفسه تكون أكثر الأشياء بقاءً في الذاكرة عن تلك الأشياء التي تعطى له جاهزة الصنع من الخارج.
  • هذه الاستراتيجية مشوقة بحد ذاتها، وحافزة للطلاب كي يستمروا في التعلم بشغف، نتيجة للحماس الذي يعيشونه أثناء البحث، والمتعة التي يحصلون عليها عند حدوث الاكتشاف، أي أن هذه الطريقة تزود الطلاب بحافز داخلي يختلف عن الحوافز التقليدية التي تقدم للطلاب من وقت لآخر. والطلاب الذين يدرسون بالطريقة الاستقصائية غالبا ما يكونون أكثر حيوية ونشاطا ورغبة في التعلم.
  • يسمح التعلم بالاستقصاء للطلاب كي يستوعبوا المعلومات بالوقت الكافي، فعادة ما يقوم المدرس بالإسراع في عملية التعلم بينما يحتاج الطالب إلى التفكير واستخدام عقله للاستدلال واکتساب البصيرة، وفهم المفاهيم والمبادئ العلمية.

عيوب التعلم بالاستقصاء

ومع ما للتعلم بالاستقصاء من مميزات تعود على الطلاب بشكل مباشر، إلا أنه قد تعرض للنقد وخصوصا ممن يؤيدون التعلم الإلقائي أو الشرحي، ويمكن إيجاز المآخذ على هذه الاستراتيجية بما يلي :

  • استراتيجية الاستقصاء تستغرق وقتا أطول من غيرها، فحسب رأي ( اوزوبل Ausubel ) – الذي يفضل التعلم الاستقبالي على الاكتشاف – ” أنه لا يمكن أن يعاد اكتشاف ما توصلت إليه البشرية في آلاف السنين خلال سنوات محدودة في مرحلة دراسة الطلاب ” ويؤيده في ذلك ( سكنر Skinner ) الذي يقول ” انه قد يقضي الطلبة وقتا طويلا في محاولة حل مشكلة تافهة يمكن للمدرس شرحها في دقائق. ومن غير المعقول أن نتوقع من التلاميذ اكتشاف المحتوى الكامل لمقرر دراسي بأنفسهم “. ويترتب على استغلال وقت أطول في تدريس الطلاب بهذه الطريقة التأخر في إنهاء تدریس المحتوى المحدد خلال فترة زمنية محددة..
  • التأكيد على أن التعلم عن طريق الاكتشاف يؤدي إلى تعلم ذو معنى لا يعني أن التعلم بغيره ليس ذو معنى، فيرى ( جانيه Gagne ) ” أن تخطيط المعلم للمادة وتقديمها بطريقة منظمة مدعومة بالتوضيح والشرح يساعد على ظهور المعنى أو البنية أكثر مما لو قام الطلاب أنفسهم بهذه النشاطات، وبالتالي فإنه ليس من الضروري أن الطلاب الذين يتعلمون بطريقة الاكتشاف هم أکثر قدرة على حل المشكلات من الطلاب الذين لا يتعلمون بهذه الطريقة “. ویری سوشمان Suchumnan وهو من أكثر مؤیدي المنحى الاكتشافي ” أن استراتيجيات التعلم الاكتشافي لا يمكن أن تحل محل التعلم الاستقبالي الجيد “.
    – يصعب استخدام استراتيجيات التعلم الاكتشافي في الصفوف الكثيرة العدد لأن الطلاب الأكثر ذكاء يستأثرون عادة بمعظم الاكتشافات وما من وسيلة تمكن المعلم من منعهم. الأمر الذي يجعل الطلاب الأقل ذكاء مستقبلين فقط ” كما يرى ( ساشمان ) ان الطلاب ” المتمركزين حول الذات لا يتمكنون من الاستفادة من هذه الاستراتيجيات “.
  • أن هذه الاستراتيجية تتطلب استخداما مكثفا للمعلومات، ” ذلك أن السماح للطلاب باختيار موضوعات للاستقصاء يتطلب من المدرس أن يوفر – وبصورة سريعة – قدرا كافيا من الوسائل السمعية و البصرية والمواد المكتوبة، بحيث يستطيع الطلاب أن يبحثوا في الموضوع الذي اختاروه. ولكن كثيرا من المدرسين لا يستطيعون توفير هذه الوسائل وتلك المواد”.
  • أن الكثير من المفاهيم المتضمنة في المواد الدراسية بحاجة إلى شرح وتوضيح، وفي رأي ( أوزبل ) أن تعلمها ” بطريقة الشرح أسرع و أنجح وبخاصة عندما يكون المتعلم في المرحلة الرمزية أو التجريدية من حيث نموه المعرفي “.
  •  يرفض بعض المعارضين لهذه الطريقة ومنهم ( سكنر ) الافتراض القائل بأن التعلم الاكتشافي يعزز كرامة الفرد لأن تلقين ما يعرف المعلم لا يحط من قدر المتعلم، بل على العكس هو دلیل احترام له واهتمام به.

نشير أخيرا إلى أن هذا المقال سيبقى متجدداً وقابلاً للنقيح ولمزيد من الإغناء والتطوير، فلا تبخلوا علينا بما لديكم من ملاحظات أو إضافات يمكنكم كتابتها بالتعليقات أدناه.

المراجع:

  • أثر التدريس بنموذج الاستقصاء في تنمية التفكير العلمي والاتجاهات الإيجابية نحو القضايا البيئية لدى طلبة المرحلة الثانوية بدولة الكويت – د عبد الله بن عقلة الهاشم – مجلة العلوم التربوية والنفسية عدد يونيو 2014 –
  • إستراتيجية الاستقصاء – لمياء السند – موقع شمس
  • التفكير الابتكاري في ضوء بعض استراتيجيات التعلم النشط – خليدة مهرية – مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية ديسمبر 2017
  • منهج مقترح فى العلوم البيولوجية متمركز حول الإستقصاء وفاعليته – د. تفيده سيد أحمد غانم
  • أثر أسلوبي الاستقصاء والإلقاء في تحصيل طلاب الصف الثاني الثانوي الأدبي – بنين في الجغرافيا بدولة البحرين
  • فعالية منهج فى العلوم الحياتية قائم على الاستقصاء فى تنمية بعض مفاهيم الثقافة العلمية المعاصرة

One Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.